الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

136

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

البقرة الوحشية كناسها بعد الانتشار والجري . فشبه طلوع الكوكب بخروج الوحشية من كناسها ، وشبه تنقل مرآها للناظر بجري الوحشية عند خروجها من كناسها صباحا ، قال لبيد : حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت * بكرت تزل عن الثرى أزلامها وشبه غروبها بعد سيرها بكنوس الوحشية في كناسها وهو تشبيه بديع فكان قوله : بِالْخُنَّسِ استعارة وكان الْجَوارِ الْكُنَّسِ ترشيحين للاستعارة . وقد حصل من مجموع الأوصاف الثلاث ما يشبه اللغز يحسب به أن الموصوفات ظباء أو وحوش لأن تلك الصفات حقائقها من أحوال الوحوش ، والإلغاز طريقة مستملحة عند بلغاء العرب وهي عزيزة في كلامهم ، قال بعض شعرائهم وهو من شواهد العربية : فقلت أعيراني القدوم لعلّني * أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد أراد أنه يصنع بها غمدا لسيف صقيل مهند . وعن ابن مسعود وجابر بن عبد اللّه وابن عباس : حمل هذه الأوصاف على حقائقها المشهورة ، وأن اللّه أقسم بالظباء وبقر الوحش . والمعروف في إقسام القرآن أن تكون بالأشياء العظيمة الدالة على قدرة اللّه تعالى أو الأشياء المباركة . ثم عطف القسم ب اللَّيْلِ على القسم ب « الكواكب » لمناسبة جريان الكواكب في الليل ، ولأن تعاقب الليل والنهار من أجل مظاهر الحكمة الإلهية في هذا العالم . وعسعس الليل عسعاسا وعسعسة ، قال مجاهد عن ابن عباس : أقبل بظلامه ، وقال مجاهد أيضا عن ابن عباس معناه : أدبر ظلامه ، وقاله زيد بن أسلم وجزم به الفراء وحكى عليه الإجماع . وقال المبرد والخليل : هو من الأضداد يقال : عسعس ، إذا أقبل ظلامه ، وعسعس ، إذا أدبر ظلامه . قال ابن عطية : قال المبرد : أقسم اللّه بإقبال الليل وإدباره معا ا ه . وبذلك يكون إيثار هذا الفعل لإفادته كلا حالين صالحين للقسم به فيهما لأنهما من مظاهر القدرة إذ يعقب الظلام الضياء ثم يعقب الضياء الظلام ، وهذا إيجاز . وعطف عليه القسم بالصبح حين تنفسه ، أي انشقاق ضوئه لمناسبة ذكر الليل ، ولأن